في لحظة صمت تسبق الغروب، وبين ترقب الأنفاس في الأزقة العتيقة والبيوت المغربية، ينطلق صوت مدفع رمضان كإشارة طال انتظارها. ليس مجرد صوت انفجار، بل إعلان جماعي عن لحظة الإفطار، وطقس متجذر في الذاكرة المغربية، يجمع بين الروحانية والفرح والهوية.
في مختلف المدن المغربية، من الرباط إلى سلا، ومن فاس إلى مراكش، ظل مدفع رمضان حاضرًا كأحد أبرز الرموز المرتبطة بالشهر الفضيل، حيث يتجاوز دوره الوظيفي ليصبح جزءًا من التراث الثقافي الذي يقاوم النسيان.
مدفع رمضان.. أكثر من مجرد إشارة زمنية
رغم توفر الساعات الدقيقة والتطبيقات الرقمية، لا يزال مدفع رمضان يحتفظ بمكانته الخاصة في وجدان المغاربة. فصوته لا يحدد فقط لحظة الإفطار أو الإمساك، بل يحمل دلالة رمزية عميقة، تربط بين الماضي والحاضر.
هذا الطقس يعكس قدرة المجتمع المغربي على الحفاظ على تقاليده، حتى في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
جذور تاريخية تعود إلى القرن السادس عشر
تشير عدد من الدراسات إلى أن استخدام مدفع رمضان في المغرب يعود إلى القرن السادس عشر، خلال فترة الدولة السعدية، مع بداية استعمال البارود.
في البداية، كانت المدافع تُستخدم لأغراض عسكرية، لكنها سرعان ما تحولت إلى وسيلة للتواصل مع السكان، خاصة في المناسبات الدينية، قبل أن تترسخ كطقس رمضاني رسمي.
مدينة سلا.. ذاكرة المدفع الحية
تُعد مدينة سلا من أبرز المدن التي حافظت على هذا التقليد، حيث كان مدفع رمضان يُطلق من موقع برج الدموع، في مشهد يجمع بين التاريخ والرمزية.
ويؤكد المهتم بالذاكرة السلاوية أن المدفع كان يؤدي دورًا مزدوجًا، بين التنبيه والإعلان عن المناسبات الدينية، في مدينة كانت محصنة طبيعيًا بموقعها الجغرافي.
كما ارتبط هذا التقليد بعائلات معينة، مثل آل الزعري، الذين توارثوا مهنة "الطبجي"، أي جندي المدفعية.
"الطبجي".. حارس الطقس الرمضاني
الشخص الذي يتولى إطلاق المدفع يُعرف بـ"الطبجي"، وهو ليس مجرد منفذ لعملية تقنية، بل حامل لطقس احتفالي له قواعده وتقاليده.
كانت عملية إطلاق المدفع تمر بمراحل دقيقة، تبدأ بتنظيف السبطانة باستخدام أدوات تقليدية مثل "السطوبة"، ثم فحص المدفع بعناية لضمان سلامته.
بعد ذلك، يقوم "الطبجي" بارتداء زي خاص يعرف بـ"المحصور"، وهو لباس تقليدي مزخرف يعكس هيبة هذا الطقس.
طقوس دقيقة ولباس رمزي
اللباس الذي يرتديه "الطبجي" ليس عاديًا، بل يتكون من عدة عناصر تقليدية مثل:
- سروال قندريس
- البدعية (صدريتين)
- الكبوط (سترة)
- الكرزية (حزام)
- البلغة الصفراء
ويتميز هذا اللباس بزخارف مغربية تقليدية، مطرزة بخيوط ذهبية، مما يمنح لحظة إطلاق المدفع طابعًا احتفاليًا مهيبًا.
من الوظيفة إلى الرمز
مع مرور الزمن، تحول مدفع رمضان من وسيلة عملية إلى رمز ثقافي، يعكس روح التضامن والتواصل داخل المجتمع.
فهو لا يعلن فقط عن الإفطار، بل يبشر أيضًا بحلول العيد، ويشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية التي يتقاسمها المغاربة.
استمرارية رغم التحديث
رغم التطور التكنولوجي، لا يزال مدفع رمضان حاضرًا في عدد من المدن المغربية، حيث يتم الحفاظ عليه كجزء من التراث اللامادي.
هذا الاستمرار يعكس قوة الهوية الثقافية المغربية، وقدرتها على التكيف دون فقدان جذورها.
مدفع رمضان ليس مجرد صوت يعلن الإفطار، بل هو ذاكرة حية، تختزل قرونًا من التاريخ والتقاليد.
وفي كل طلقة، يستعيد المغاربة جزءًا من ماضيهم، ويؤكدون أن التراث ليس فقط ما نحتفظ به، بل ما نعيشه ونعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل.