في مساءٍ بارد نسبياً على أطراف ورزازات، كنتُ أراقب الأضواء وهي تومض فوق مساحات شاسعة من المنشآت الطاقية. المشهد لا يشبه “محطة كهرباء” بالمعنى التقليدي؛ أقرب إلى مدينة صامتة تُنتج الكهرباء كما تُنتج المدن الكبرى الحركة. هناك، خطر لي سؤال بسيط: لماذا يبدو المغرب اليوم أكثر إصراراً على ملف الطاقة من أي وقت مضى؟ الجواب ليس شعاراً، بل تجربة يومية نعيشها نحن المغاربة: فاتورة استيراد، تقلب أسعار عالمية، وحاجة متزايدة للكهرباء في البيوت والمصانع.
هذا المقال يحاول أن يشرح كيف المغرب يعزز موقعه الطاقي عبر ثلاث مسارات متوازية: توسيع الطاقات المتجددة، بناء بنية غازية جديدة (LNG وأنابيب) كمرحلة انتقال، ثم تقديم نفسه كممر إقليمي للطاقة نحو أوروبا وإفريقيا.
جدول معلومات سريع: أين يقف المغرب طاقياً الآن؟
| الاعتماد على الواردات | يستورد المغرب حوالي 90% من احتياجاته من الطاقة |
| مزيج الكهرباء (2023) | الفحم 64%، الرياح 15.4%، الشمس 5.1%، الغاز 10% (مع حصص أخرى أصغر) |
| الهدف الاستراتيجي (2030) | تجاوز 52% من القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة |
| مبادرة صناعية | توفير 5 جيغاواط من الكهرباء الخضراء للصناعة بحلول 2030 |
| الغاز الطبيعي المسال | مناقصات لبنية LNG ومحطات عائمة وخطوط أنابيب وطنية بحزمة تقارب 9.542 مليار درهم |
| مشروع إقليمي | الأنبوب الإفريقي-الأطلسي (نيجيريا–المغرب): مسار محدد ودراسات منجزة، وتكلفة تقديرية ~25 مليار دولار |
لماذا “المغرب يعزز موقعه الطاقي” الآن؟ 3 دوافع لا يمكن تجاهلها
الدافع الأول واضح ومباشر: الهشاشة أمام السوق الدولية. عندما تستورد دولة ما قرابة 90% من احتياجاتها الطاقية، تصبح كل موجة ارتفاع في أسعار النفط أو الفحم أو الغاز ضغطاً على الميزان التجاري وعلى القدرة الشرائية. هذا يفسر لماذا صار أمن الإمداد في المغرب موضوعاً اقتصادياً قبل أن يكون موضوعاً تقنياً.
الدافع الثاني هو التحول الصناعي. المغرب يريد صناعة أكثر تنافسية في أسواق أوروبا التي تتجه نحو “بصمة كربونية” أكثر صرامة. لذلك أصبح توفير كهرباء خضراء للصناعة هدفاً عملياً، لا مجرد وعد بيئي. ومن هنا جاءت فكرة تسريع إيصال 5 جيغاواط من الكهرباء المتجددة للقطاع الصناعي بحلول 2030 عبر تنسيق مؤسساتي بين الفاعلين العموميين.
أما الدافع الثالث فهو التموقع الجغرافي. المغرب لا يكتفي بأن يكون “مستهلكاً” للطاقة، بل يحاول أن يكون نقطة عبور وربط بين إفريقيا وأوروبا عبر مشاريع غازية وكهربائية، مستفيداً من قربه من أوروبا ومن بنيته التحتية البحرية والمينائية المتنامية.
الطاقات المتجددة: من هدف 52% إلى سؤال “كيف”؟
على الورق، الأهداف تبدو جميلة: تجاوز 52% من القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة بحلول 2030، مع توسع كبير في الرياح والشمس. لكن السؤال الحقيقي ليس “ماذا نريد؟” بل “كيف نصل؟”. لأن بناء محطات شمسية وريحية أسهل من بناء شبكة كهربائية قادرة على استيعاب التذبذب، وتخزين الطاقة، وإدارة الأحمال في ساعات الذروة.
وهنا تظهر فكرة “الهندسة الكبرى” في الانتقال الطاقي: تحديث الشبكة، تقوية الربط بين الشمال والجنوب، وتطوير منظومة تنظيمية تسمح للقطاع الخاص بالاستثمار في الإنتاج الذاتي وبيع الكهرباء وفق شروط واضحة. تقارير دولية وتجارية تتحدث عن تحديثات قانونية وتنظيمية في المغرب (قوانين الطاقات المتجددة والتنظيم الكهربائي والإنتاج الذاتي) بهدف فتح المجال بشكل أوسع للمستثمرين، وهو ما يُفترض أن يسرع تحقيق الهدف.
الصناعة الخضراء: لماذا 5 جيغاواط ليست رقماً عادياً؟
حين نقول 5 جيغاواط من الكهرباء الخضراء للصناعة بحلول 2030، نحن نتحدث عن تحويل الطاقة إلى “ميزة تنافسية”. الفكرة ليست إنارة المصانع فقط، بل تقليل كلفة الكربون المستقبلية، وجذب استثمارات تبحث عن كهرباء منخفضة الانبعاثات، خصوصاً في قطاعات مثل السيارات، الأسلاك، الأسمدة، والمعادن المصنعة.
لكن نجاح هذه الفكرة يتطلب ثلاثة شروط: عقود طاقة واضحة ومستقرة، شبكة نقل قادرة على توصيل الطاقة الخضراء حيث توجد المصانع، وأسعار قابلة للتنبؤ حتى لا تتحول “الخضرة” إلى كلفة زائدة. لذلك يرتبط هذا الملف عادةً بإعادة ترتيب الأدوار بين المؤسسات العمومية، وبمقاربة تقول: لنبنِ سلسلة قيمة كاملة بدل أن نبني محطات فقط.
الغاز الطبيعي المسال (LNG): لماذا يدخل المغرب مرحلة “الغاز الانتقالي”؟
قد يسأل البعض: لماذا نستثمر في الغاز بينما نتحدث عن الطاقات المتجددة؟ الجواب الأكثر واقعية هو أن الغاز يُستخدم في كثير من الدول كـ “وقود انتقال” يساعد على خفض الانبعاثات مقارنة بالفحم والفيول، ويمنح الشبكة مرونة لتغطية فترات انخفاض الرياح أو غياب الشمس. المغرب، وفق معطيات منشورة حول مناقصات حديثة، أطلق مساراً لبناء أول بنية LNG عبر محطة عائمة للتخزين وإعادة التغويز (FSRU) في ميناء الناظور غرب المتوسط، إضافة إلى شبكة أنابيب وطنية تربط الميناء بخط المغرب–أوروبا وبمناطق صناعية مثل القنيطرة والمحمدية.
في هذا المسار، ظهرت أرقام دقيقة مهمة: حزمة الاستثمار في المناقصات تقارب 9.542 مليار درهم، مع محطة LNG تقدر بنحو 2.73 مليار درهم، وخطوط أنابيب رئيسية بحوالي 6.387 مليار درهم، وقدرة تغويز اسمية نحو 5.1 مليار متر مكعب سنوياً قابلة للرفع إلى 7.5 مليار في فترات الذروة، وأفق تشغيل يُستهدف في 2027 وفق التصريحات والتقارير ذات الصلة. هذه التفاصيل تُظهر أن المغرب لا يتحدث عن “فكرة” بل عن هندسة تحتية تُرسم بالعقود والأرقام.
“الغاز سيبقى محدوداً مقارنة بقفزة المتجددة”
كي لا يبدو المقال خطاباً أحادي الاتجاه، من المهم إدخال رأي مستقل. في تقرير دولي حول تقدم المغرب نحو إنشاء “مركز LNG” بقيمة تقارب مليار دولار، نُقل عن رشيد الناصيري، مدير مبادرة Imal للمناخ والتنمية، قوله: “Gas will play a limited role in replacing coal, with planned renewable expansion being a far larger percentage of new capacity.”
هذه الجملة تُلخص توازناً ذكياً: نعم، الغاز جزء من المرحلة الانتقالية، لكن الوزن الأكبر في “الموقع الطاقي الجديد” سيأتي من توسع الطاقات المتجددة—إذا نجح المغرب في ربط الإنتاج بالشبكة وتوسيع التخزين وتحسين المرونة التشغيلية.
الأنبوب الإفريقي-الأطلسي (نيجيريا–المغرب): تموقع إقليمي بلغة الطاقة
إذا كان LNG يعالج “احتياج الداخل” على المدى القريب، فإن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي يعالج “طموح التموقع” على المدى الأبعد. وفق إعلان رسمي، تم الانتهاء من دراسات الجدوى والهندسة الأولية وتحديد المسار الأمثل للمشروع، مع إنشاء شركة ذات غرض خاص بين المغرب ونيجيريا للتحضير لقرار الاستثمار النهائي، وتقدير تكلفة بنحو 25 مليار دولار.
المعطيات المتداولة رسمياً حول المشروع تُشير إلى بنية تمتد عبر آلاف الكيلومترات، وسعة نقل بين 15 و30 مليار متر مكعب سنوياً، وامتداد عبر عدة دول، مع رهان على ربط أسواق غرب إفريقيا وإمكانية الوصول إلى أوروبا. في لغة الاقتصاد السياسي للطاقة، هذا يعني ببساطة: المغرب يريد أن يكون جزءاً من “خريطة الإمداد” لا مجرد نقطة استقبال.
أين يمكن أن يتعثر “تعزيز الموقع الطاقي”؟
التحول الطاقي في المغرب يحمل نقاط قوة واضحة: موارد رياح وشمس، أهداف رقمية، ومشاريع بنية تحتية تتقدم. لكن هناك أيضاً نقاط ضعف إن لم نواجهها بصدق. أولها مفارقة الفحم: مع أن المغرب يتحدث عن توسع المتجددة، تبقى حصة الفحم في توليد الكهرباء عالية وفق معطيات 2023. هذا يعني أن الانتقال ليس مسألة إعلان أهداف، بل مسألة إعادة هندسة منظومة كاملة تشمل الإنتاج والتوزيع والتشغيل وإدارة الأحمال.
ثانيها سؤال الشبكة والتخزين. كل زيادة في الطاقة الشمسية والريحية تُولد سؤالاً عن الاستقرار: ماذا يحدث عندما تهدأ الرياح؟ ماذا نفعل في ساعة ذروة ليلية؟ هنا قد يصبح التخزين (بطاريات، محطات الضخ، حلول هجينة) شرطاً لازماً، وإلا سنجد أنفسنا نعود أكثر إلى الغاز أو الفحم لتغطية الفجوات. أي أن التوسع في المتجددة دون توسع مماثل في المرونة قد ينتج “نصف انتقال”.
ثالثها التمويل والتكلفة الاجتماعية. مشاريع الطاقة العملاقة مكلفة وتحتاج سنوات. إذا لم تُصمم العقود بشفافية ووضوح، وإذا لم تُربط المشاريع بالتكوين وفرص العمل المحلية، قد يظل المواطن يرى “أرقاماً” دون أن يلمس أثراً مباشراً: فواتير أقل، خدمات أفضل، وظائف أوضح. وفي ملف الغاز تحديداً، هناك خطر “الانكشاف لسوق LNG العالمي” إذا لم تُدار العقود بحكمة، لأن LNG سلعة عالمية متقلبة. بعض التحليلات المتخصصة حذرت من أن الاعتماد على واردات LNG قد يخلق تعرضاً لتقلبات أسعار الوقود الأحفوري إن لم يُوازن بتوسع حقيقي في المتجددة.
وأخيراً، هناك سؤال الماء، وهو سؤال لا يذكر بما يكفي. الطاقة المتجددة والتصنيع الأخضر والهيدروجين الأخضر—كلها مشاريع يمكن أن تكون كثيفة استهلاك الماء بشكل مباشر أو غير مباشر. لذا يصبح ربط مشاريع الطاقة بتحلية المياه وإعادة الاستخدام وكفاءة الاستهلاك شرطاً للنجاح، لا تفصيلاً جانبياً.
كيف يربح المغرب “الموقع الطاقي” فعلاً؟ خريطة خطوات عملية
- أولوية الشبكة: تقوية النقل الكهربائي والربط بين مناطق الإنتاج ومناطق الطلب، ورفع قدرة الاستيعاب للطاقات المتذبذبة.
- التخزين والمرونة: الاستثمار في حلول التخزين وإدارة الطلب حتى لا تتحول المتجددة إلى مصدر غير قابل للاعتماد.
- غاز بحدود واضحة: استعمال الغاز كمرحلة انتقال بحدود زمنية ووظيفية، لا كبديل طويل الأمد.
- صناعة خضراء قابلة للقياس: ربط الكهرباء الخضراء بمؤشرات واضحة: صادرات أقل كربوناً، وظائف، وتوطين صناعي.
- حكامة وتواصل: نشر معلومات دورية مبسطة للمواطنين حول التقدم، الكلفة، والأثر، لأن الثقة جزء من أمن الطاقة.
خاتمة: المغرب يعزز موقعه الطاقي… لكن الامتحان في التنفيذ
عندما نقول إن المغرب يعزز موقعه الطاقي فنحن لا نصف رغبة فقط، بل نصف مساراً يُبنى على الأرض: متجددة تتوسع بهدف يتجاوز 52% بحلول 2030، كهرباء خضراء تُوجّه للصناعة بقدرة 5 جيغاواط، وبنية LNG وأنابيب لتأمين المرونة، ومشروع إقليمي كبير يضع المغرب على خريطة الممرات الغازية. كل ذلك يبدو منطقياً على الورق، لكن الامتحان الحقيقي هو التنفيذ: شبكة قوية، تخزين، شفافية، وتوازن بين الأمن الطاقي والكلفة الاجتماعية.
الأسئلة الشائعة
كم يعتمد المغرب على استيراد الطاقة؟
بحسب تقارير رسمية وتجارية دولية، يستورد المغرب نحو 90% من احتياجاته الطاقية.
ما الهدف المتجدد للمغرب بحلول 2030؟
الهدف المعلن هو أن تتجاوز الطاقات المتجددة 52% من القدرة الكهربائية المركبة بحلول 2030.
لماذا يتجه المغرب إلى الغاز الطبيعي المسال (LNG) رغم الطاقات المتجددة؟
لأن الغاز يُستخدم كوقود انتقالي يمنح الشبكة مرونة لتغطية تذبذب الرياح والشمس وتقليل الاعتماد على وقود أكثر تلويثاً.
ما أبرز تفاصيل مناقصات LNG والأنابيب الأخيرة؟
حزمة استثمارية تقارب 9.542 مليار درهم، وقدرة تغويز 5.1 مليار متر مكعب سنوياً قابلة للرفع إلى 7.5 مليار، مع أفق تشغيل يستهدف 2027.
ماذا يعني مشروع أنبوب نيجيريا–المغرب للموقع الطاقي للمملكة؟
هو مشروع تموقع إقليمي بسعة نقل بين 15 و30 مليار متر مكعب سنوياً وتكلفة تقديرية تقارب 25 مليار دولار.
أين يكمن الخطر الأكبر في مسار تعزيز الموقع الطاقي؟
في توسع متجددة دون شبكة وتخزين كافيين، أو اعتماد مفرط على واردات LNG في سوق متقلبة.