في خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز بعدها الرمزي، تم اختيار مدينة فاس عاصمة للمجتمع المدني المغربي لسنة 2026، بعدما أعلنت منظمة المجتمع المدني الدولية لقيم المواطنة والتنمية والحوار "إيكسو"، بشراكة مع جمعية فاس سايس للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، عن هذا القرار في إطار مبادرة تعكس الاعتراف بدور هذه المدينة التاريخية في احتضان دينامية مدنية متجذرة في عمق الثقافة المغربية.
ولم يكن هذا الاختيار اعتباطياً، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية واجتماعية وثقافية جعلت من فاس نموذجاً فريداً في التفاعل بين المجتمع والدولة، وبين التراث والحداثة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية استراتيجية تروم تعزيز دور المجتمع المدني كفاعل أساسي في التنمية، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد على أهمية إشراك المواطن في صنع القرار، وترسيخ مبادئ الحكامة التشاركية.
فاس.. مدينة بتاريخ يمتد لأكثر من 12 قرناً
تعد مدينة فاس واحدة من أقدم المدن الإسلامية في العالم، إذ تأسست في أواخر القرن الثامن الميلادي على يد إدريس الثاني، لتصبح لاحقاً مركزاً دينياً وعلمياً بارزاً في العالم الإسلامي. وقد لعبت المدينة دوراً محورياً في نشر العلوم والمعرفة، خاصة مع تأسيس جامعة القرويين التي تعتبر أقدم جامعة في العالم لا تزال تزاول نشاطها إلى اليوم.
تميزت فاس عبر تاريخها بكونها مركزاً للتبادل الثقافي والحضاري، حيث استقطبت العلماء والتجار والحرفيين من مختلف أنحاء العالم، مما ساهم في تشكيل هوية غنية ومتنوعة. هذه الخصوصية جعلت منها فضاءً طبيعياً لنشوء قيم التضامن والتكافل، التي تشكل جوهر العمل المدني.
نسيج جمعوي قوي ومتجذر
يعتمد اختيار المدن كعواصم للمجتمع المدني على مجموعة من المعايير، أبرزها قوة النسيج الجمعوي، ومدى تأثيره في التنمية المحلية. وفي هذا السياق، تتميز فاس بوجود عدد كبير من الجمعيات النشيطة في مجالات متعددة، من بينها الثقافة، التعليم، البيئة، والعمل الاجتماعي.
هذا النسيج لا يقتصر على الكم، بل يتميز أيضاً بالجودة والابتكار، حيث تعمل العديد من الجمعيات على إطلاق مبادرات نوعية تستجيب لحاجيات المجتمع، وتساهم في تحسين جودة الحياة، خاصة في الأحياء الهامشية.
المدينة العتيقة.. فضاء للتضامن والتعاون
تشكل المدينة العتيقة لفاس، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو، نموذجاً حياً للتنظيم الاجتماعي التقليدي، حيث تتجسد قيم التعاون والتكافل في الحياة اليومية للسكان. فالأزقة الضيقة والأسواق التقليدية ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل هي بيئات اجتماعية تعزز الروابط الإنسانية.
وفي هذا السياق، لعبت الزوايا والجمعيات التقليدية دوراً مهماً في تقديم الدعم الاجتماعي، سواء من خلال توزيع المساعدات، أو تنظيم الأنشطة الدينية والثقافية، وهو ما يعكس عمق الثقافة المدنية في المدينة.
برنامج غني يعكس طموحاً وطنياً
يتضمن برنامج فاس عاصمة المجتمع المدني 2026 مجموعة من الأنشطة المتنوعة، تشمل ندوات علمية، معارض للابتكار، وفضاءات للحوار بين مختلف الفاعلين. ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز تبادل الخبرات، وتشجيع المبادرات المدنية، وخلق دينامية جديدة في مجال العمل الجمعوي.
كما يشكل هذا الحدث فرصة لتسليط الضوء على التجارب الناجحة، وتحفيز الشباب على الانخراط في العمل المدني، باعتباره رافعة أساسية للتنمية المستدامة.
دلالات الاختيار.. بين الرمزية والاستراتيجية
يحمل اختيار فاس عاصمة للمجتمع المدني دلالات متعددة، فهو من جهة اعتراف بماضيها العريق، ومن جهة أخرى تأكيد على دورها المستقبلي في قيادة دينامية مدنية متجددة. كما يعكس هذا الاختيار توجهاً نحو تعزيز اللامركزية، وتمكين المدن من لعب دور أكبر في التنمية.
وفي ظل التحولات التي يشهدها المغرب، يصبح المجتمع المدني شريكاً أساسياً في مواجهة التحديات، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو البيئي.
فاس.. بين الماضي العريق والمستقبل الواعد
اليوم، تقف فاس عند مفترق طرق، حيث تسعى إلى الحفاظ على تراثها الغني، وفي الوقت نفسه الانخراط في مسار التحديث. ويشكل اختيارها عاصمة للمجتمع المدني فرصة لإعادة التفكير في دور المدينة، وتعزيز مكانتها كفضاء للإبداع والمبادرة.
إن هذا الحدث ليس مجرد تتويج، بل هو بداية مرحلة جديدة، تتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين، من مؤسسات وجمعيات ومواطنين، من أجل بناء نموذج تنموي قائم على المشاركة والتضامن.
اختيار فاس عاصمة للمجتمع المدني 2026 هو أكثر من مجرد لقب، إنه رسالة قوية تؤكد أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة فعالة من المجتمع. وبين أزقتها العتيقة وروحها المتجددة، تواصل فاس كتابة فصل جديد في تاريخها، يجمع بين الأصالة والابتكار، ويجعل منها نموذجاً يحتذى به في المغرب وخارجه.
ملاحظاتك تهمنا 🤍
يرجى الالتزام بأسلوب محترم
يُمنع نشر التعليقات الترويجية
تجنب إضافة روابط خارجية
التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر