![]() |
| رمضان في المغرب.. حين تتحول الأسواق إلى ورشات رزق موسمية |
تعرف الأسواق الشعبية والساحات والأرصفة في مختلف المدن المغربية، مع حلول شهر رمضان، حركية استثنائية تتجاوز الطابع الديني إلى بعد اقتصادي واجتماعي واضح. فمع تغير نمط الاستهلاك اليومي للأسر المغربية، تتشكل منظومة كاملة من المهن الموسمية في رمضان التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأجواء الشهر الفضيل، وتتحول إلى مصدر رزق أساسي لآلاف العاملين بها.
هذه المهن لا تقتصر على تلبية حاجيات استهلاكية مؤقتة، بل تشكل رافعة اقتصادية موازية تنشط دورة المال داخل الأحياء الشعبية، وتعزز ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد القرب" الذي يقوم على العرض السريع والاستجابة الفورية للطلب المرتفع.
تغير العادات الاستهلاكية في رمضان: محرك الرواج التجاري
خلال شهر رمضان، تتغير العادات الاستهلاكية للمغاربة بشكل ملحوظ. فالمائدة الرمضانية تحضر فيها أصناف خاصة لا تستهلك بنفس الكثافة في باقي أشهر السنة. ويكفي القيام بجولة في أسواق الرباط، أو الدار البيضاء، أو فاس، لملاحظة حجم التحول في طبيعة المعروضات والطلب.
في العاصمة الرباط، على سبيل المثال، تعرف الأسواق التقليدية والأحياء الشعبية دينامية تجارية مكثفة قبيل آذان المغرب. هذا التحول يواكبه ظهور مهن موسمية تنعش الحركة التجارية، سواء من خلال بيع المواد الغذائية الجاهزة، أو عبر تغيير بعض التجار لأنشطتهم المعتادة للاستفادة من ارتفاع الطلب على منتجات بعينها.
من منظور اقتصادي، يمكن اعتبار رمضان موسما ذهبيًا لعدد من الفاعلين الصغار، حيث يحققون خلال ثلاثين يوما مداخيل قد تعادل أحيانا ما يجنونه خلال عدة أشهر عادية.
المهن الموسمية في أسواق الرباط: فرص دخل وشغل للشباب
تنتشر المهن الموسمية في رمضان بمختلف أسواق وشوارع الرباط، وتمكن عددا مهما من الأسر من تعزيز دخلها. ويشجع الرواج التجاري الذي يشهده الشهر الفضيل العديد من الشباب على خوض تجارب تجارية بسيطة لكنها مربحة.
بعضهم يوقف نشاطه المعتاد مؤقتا، ليتحول إلى بيع منتجات ذات طلب مرتفع خلال رمضان. هذا التحول يعكس مرونة الاقتصاد غير المهيكل وقدرته على التكيف مع المواسم الدينية والاجتماعية.
وتتميز هذه الأنشطة بعدة خصائص:
- رأس مال محدود.
- دورة إنتاج وبيع سريعة.
- هامش ربح معقول.
- ارتباط مباشر باحتياجات يومية ملحة.
الحلويات والفطائر والعصائر: صلب الاقتصاد الرمضاني
ترتبط أغلب هذه المهن بالمواد الغذائية، خاصة:
- الفطائر المغربية التقليدية.
- الحلويات المحلية.
- العصائر الطبيعية.
- ما يعرف بـ"الحلويات الشرقية".
في السنوات الأخيرة، لوحظ ارتفاع الإقبال على الحلويات الشرقية بشكل لافت، ما يعكس تغيرا في الذوق الاستهلاكي المغربي، وانفتاحا أكبر على منتجات مستوحاة من مطابخ المشرق العربي.
هذه المنتجات لم تعد مجرد كماليات، بل أصبحت حاضرة بقوة على موائد الإفطار، إلى جانب الشباكية والبريوات وأصناف أخرى تقليدية.
أمين.. نموذج شاب استثمر في الحلويات الشرقية
أمين، 31 سنة، اختار التخصص في صنع وبيع الحلويات الشرقية. بالنسبة له، لا تضاهي أي مناسبة أخرى الرواج التجاري الذي يشهده شهر رمضان.
يؤكد أن هذه الحلويات بات لها حضور قوي على موائد العديد من الأسر المغربية، بسبب:
- تنوع أشكالها.
- اختلاف مذاقها عن الحلويات المغربية التقليدية.
- طابعها "الفاخر" نسبيا.
ورغم أن ثمنها يعتبر مرتفعا مقارنة ببعض المنتجات المحلية، إلا أنه ينجح يوميا في بيع كامل مخزونه من بقلاوة وكنافة وبسبوسة قبل آذان المغرب.
يرجع أمين هذا النجاح إلى عاملين أساسيين:
- الجودة: اختياره لأفضل المكونات.
- شهية الصائم: الرغبة في تنويع المائدة وتجربة أصناف جديدة.
هذه المعادلة تكشف أن المستهلك المغربي، خلال رمضان، مستعد لدفع مقابل أعلى إذا ارتبط الأمر بالجودة والتجربة.
عصير البرتقال الطازج: استثمار بسيط بعائد مضمون
غير بعيد عن عربة أمين، يقف شابان يبيعان عصير البرتقال الطازج، وسط إقبال كثيف قبيل أذان المغرب. يتجمهر الزبناء في مشهد يتكرر يوميا.
يشرح أحمد، 25 سنة، أن الإقبال الكبير يعود إلى عدة أسباب:
- ارتفاع درجات الحرارة.
- وعي متزايد بأهمية العصائر الطبيعية.
- تجنب العصائر الاصطناعية المضرة بالصحة.
- الثمن المنخفض نسبيا.
يمارس أحمد هذه المهنة الموسمية منذ ست سنوات، ويعتبرها فرصة ذهبية لأنها:
- لا تتطلب رأس مال كبيرا.
- لا تحتاج إلى مهارات معقدة.
- تعتمد على معدات بسيطة: برتقال، عصارة كهربائية، وقنينات بلاستيكية.
هذا النموذج يعكس كيف يمكن لمشروع صغير منخفض التكلفة أن يتحول إلى مصدر دخل مستقر خلال موسم قصير لكنه مكثف.
بين العبادة والتجارة: رمضان كرافعة اجتماعية
يبقى شهر رمضان بالنسبة للمغاربة شهر عبادة وتزكية روحية في المقام الأول، لكنه في الوقت ذاته يشكل متنفسا اقتصاديا مهما.
بالنسبة للتجار البسطاء والموسميين، يمثل هذا الشهر:
- فرصة لتحسين المداخيل.
- إمكانية ادخار مبلغ يساعدهم خلال باقي أشهر السنة.
- وسيلة لتخفيف ضغط المصاريف اليومية.
من منظور أوسع، يمكن القول إن المهن الموسمية في رمضان بالمغرب تعكس توازنا دقيقا بين البعد الروحي والبعد المعيشي. فهي تجسد كيف يتعايش الاقتصاد الشعبي مع القيم الدينية والاجتماعية، في إطار دورة موسمية تتجدد كل عام.
المهن الموسمية في رمضان ليست مجرد أنشطة عابرة، بل تمثل نظاما اقتصاديا مصغرا يشتغل بكفاءة داخل الأسواق الشعبية المغربية. إنها تعبير عن:
- مرونة الاقتصاد غير المهيكل.
- قدرة الشباب على الابتكار في ظل محدودية الموارد.
- التحول المستمر في الذوق الاستهلاكي المغربي.
- أهمية المواسم الدينية في إعادة توزيع الدخل.
وفي ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، يظل شهر رمضان محطة استراتيجية للعديد من الأسر التي تعول على هذا الرواج لتأمين توازنها المالي لبقية السنة.

لا تقرأ وترحل، يمكنك ترك تعليق جميل