إن الحديث عن الحاجة الحمداوية هو في جوهره حديث عن فن "العيطة"، هذا اللون الغنائي العريق الذي يشكل جزءاً أصيلاً من التراث المغربي. لكنه أيضاً حديث عن امرأة استطاعت أن تخرج بهذا الفن من الإطار المحلي إلى فضاء أوسع، ليصبح خطاباً ثقافياً واجتماعياً وسياسياً يعكس تحولات المجتمع المغربي عبر عقود طويلة.
العيطة.. أكثر من غناء، إنها ذاكرة شعب
قبل الغوص في مسيرة الحاجة الحمداوية، لا بد من فهم السياق الذي نشأ فيه فن العيطة. هذا الفن، الذي تعود جذوره إلى البوادي المغربية، كان في الأصل وسيلة للتواصل ونقل الأخبار، كما كان أداة للتعبير عن المعاناة والأفراح، وعن الصراعات الاجتماعية والسياسية التي عاشها المجتمع المغربي.
العيطة، بمعناها اللغوي، تعني "النداء" أو "الصوت المرتفع"، وهو توصيف دقيق لهذا الفن الذي يقوم على قوة الأداء وصدق التعبير. وقد ارتبط هذا اللون الغنائي بالمقاومة، حيث كانت كلمات الأغاني تحمل رسائل مشفرة، تُعبّر عن رفض الاستعمار وتدعو إلى الصمود.
في هذا السياق، جاءت الحاجة الحمداوية لتعيد صياغة هذا الفن، وتمنحه بعداً جديداً، حيث مزجت بين الأصالة والتجديد، وبين الأداء التقليدي والرؤية المعاصرة، ما جعلها قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع، داخل المغرب وخارجه.
النشأة والبدايات.. من حياة صعبة إلى أسطورة فنية
وُلدت الحاجة الحمداوية، واسمها الحقيقي "الحاجة الحمداوية بنت الحسين"، سنة 1930 بمدينة الدار البيضاء، في بيئة شعبية بسيطة عرفت قسوة الحياة منذ سنواتها الأولى. لم تكن طفولتها مستقرة، إذ عاشت ظروفاً اجتماعية صعبة بعد فقدانها لوالديها في سن مبكرة، وهو ما جعلها تتنقل بين عدد من الأسر، في واقع قاسٍ شكّل شخصيتها القوية لاحقاً.
نشأت الحمداوية في أحياء شعبية كانت تعجّ بالحياة اليومية للمغاربة، حيث اختلطت بالأصوات الشعبية، من الأسواق إلى الأعراس والمواسم. هناك، بدأت تتشكل علاقتها الأولى مع فن "العيطة"، دون أن تدرك أنها ستصبح يوماً إحدى أبرز رموزه.
في مرحلة المراهقة، وجدت نفسها منجذبة بشكل كبير إلى الغناء، خاصة داخل الفرق الشعبية التي كانت تحيي المناسبات. لم تدخل المجال الفني عبر قنوات رسمية أو أكاديميات، بل كان دخولها عفوياً، نابعا من الموهبة والاحتكاك المباشر بالميدان، وهو ما منحها مصداقية كبيرة لدى الجمهور.
كانت البداية الحقيقية عندما انضمت إلى فرق "الشيخات"، حيث تعلمت أصول الأداء، وفنون الإيقاع، وتقنيات التحكم في الصوت. ومع مرور الوقت، بدأت تبرز بفضل صوتها القوي وحضورها الطاغي، لتنتقل تدريجياً من مجرد مؤدية ضمن مجموعة إلى نجمة قائمة بذاتها.
لم يكن الطريق سهلاً، خاصة في ظل نظرة المجتمع آنذاك للمرأة الفنانة، لكن الحمداوية واجهت هذه التحديات بإصرار كبير، واستطاعت أن تفرض نفسها في ساحة يهيمن عليها الرجال، لتصبح لاحقاً واحدة من أعمدة الفن الشعبي المغربي.
توفيت الحاجة الحمداوية يوم 5 أبريل 2021 بمدينة الرباط ، بعد مسيرة فنية طويلة تجاوزت ستة عقود، تاركة وراءها إرثاً فنياً خالداً، وذاكرة جماعية لا تزال حاضرة في وجدان المغاربة.
العيطة كسلاح مقاومة
واحدة من أهم المحطات في مسيرة الحاجة الحمداوية هي دورها في توظيف الفن كوسيلة للمقاومة. ففي فترة الاستعمار، كانت الكلمة المغناة تحمل وزناً كبيراً، وكانت قادرة على التأثير في الوعي الجماعي.
استغلت الحمداوية هذا الدور، وبدأت في تقديم أعمال تحمل رسائل وطنية، تحث على الصمود، وتنتقد الواقع، وتعبّر عن تطلعات الشعب المغربي نحو الحرية. لم تكن هذه الرسائل مباشرة دائماً، بل كانت غالباً مشفرة، وهو ما أتاح لها الوصول إلى الجمهور دون الوقوع في قبضة الرقابة.
هكذا، تحول صوتها إلى رمز، وأصبحت العيطة وسيلة للتعبئة الجماعية، تربط بين الفن والسياسة، وبين الثقافة والمقاومة.
صعود النجومية.. من المحلية إلى الوطنية
مع مرور السنوات، بدأت شهرة الحاجة الحمداوية تتوسع، لتصبح واحدة من أبرز الأسماء في الساحة الفنية المغربية. لم يعد حضورها مقتصراً على المناسبات المحلية، بل أصبحت تشارك في مهرجانات وطنية كبرى، وتُستدعى لإحياء حفلات في مختلف المدن.
هذا الانتشار لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل دؤوب، ورؤية فنية واضحة، تقوم على الحفاظ على الهوية، مع الانفتاح على التجديد. فقد استطاعت أن تقدم العيطة بأسلوب حديث، دون أن تفقد روحها الأصلية.
كما أن شخصيتها القوية، وحضورها المسرحي المميز، ساهما في ترسيخ مكانتها، لتصبح أيقونة حقيقية للفن الشعبي المغربي.
أسلوب فني متفرد
ما يميز الحاجة الحمداوية ليس فقط صوتها القوي، بل أيضاً أسلوبها الفريد في الأداء. فهي لا تغني فقط، بل تعيش الأغنية بكل تفاصيلها، وتنقل إحساسها إلى الجمهور بطريقة مباشرة وصادقة.
كما أنها كانت تعتمد على تفاعل كبير مع الجمهور، ما يجعل حفلاتها تجربة جماعية، تتجاوز حدود الأداء الفني إلى حالة من الانسجام والتواصل.
هذا الأسلوب جعلها قادرة على كسر الحواجز بين الفنان والجمهور، وجعل من فن العيطة تجربة حية ومتجددة.
الحاجة الحمداوية والمرأة المغربية
في مجتمع تقليدي، كان من الصعب على المرأة أن تفرض نفسها في المجال الفني، خاصة في فن شعبي مثل العيطة. لكن الحاجة الحمداوية استطاعت أن تكسر هذه القيود، وأن تصبح نموذجاً للمرأة القوية والمستقلة.
لم تكن مجرد فنانة، بل كانت أيضاً رمزاً للتحرر، ومصدر إلهام للعديد من النساء اللواتي رأين فيها نموذجاً يحتذى به.
وبهذا، ساهمت بشكل غير مباشر في تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة، وفي تعزيز حضورها في المجال الثقافي والفني.
إرث خالد يتجاوز الزمن
بعد عقود من العطاء، تركت الحاجة الحمداوية إرثاً فنياً غنياً، يشكل اليوم جزءاً من الذاكرة الثقافية المغربية. أعمالها لا تزال تُردد، وصوتها لا يزال حاضراً، رغم مرور الزمن.
هذا الإرث لا يقتصر على الأغاني، بل يشمل أيضاً القيم التي حملتها، والرسائل التي قدمتها، والتي لا تزال صالحة حتى اليوم.
إنها قصة فنانة استطاعت أن تحول الفن إلى رسالة، والصوت إلى موقف، والغناء إلى فعل مقاومة.
الجدول الزمني لمسيرة الحاجة الحمداوية
| السنة | الحدث |
|---|---|
| 1930 | ولادتها في الدار البيضاء وسط ظروف اجتماعية صعبة |
| 1940s | بداية احتكاكها بفن العيطة داخل الأحياء الشعبية |
| 1950s | التحاقها بفرق الشيخات ودخولها عالم الغناء الشعبي |
| 1960s | بداية الشهرة وانتشار صوتها في المغرب |
| 1970–1990 | ترسيخ مكانتها كأيقونة للعيطة والمشاركة في مهرجانات وطنية |
| 2000s | عودة قوية وإحياء حفلات كبرى داخل المغرب وخارجه |
| 2010–2020 | تكريمات متعددة واعتراف رسمي بمكانتها الفنية |
| 2021 | وفاتها واعتبارها أيقونة خالدة |

ملاحظاتك تهمنا 🤍
يرجى الالتزام بأسلوب محترم
يُمنع نشر التعليقات الترويجية
تجنب إضافة روابط خارجية
التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر