أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

اخترنا لكم

الطبقة الوسطى في المغرب: هل ما زالت موجودة؟

صورة عامة لشارع حضري مغربي يعكس الحياة اليومية لأسر الطبقة الوسطى (مرور، محلات، مدارس)

كل صباح، تمتلئ شوارع المدن المغربية الكبرى بسيارات اقتصادية متجهة نحو المكاتب، وأطفال يُساقون إلى مدارس خاصة، وأسر تُسدد أقساط قروض السكن والسيارة. هذا المشهد اليومي يطرح سؤالاً يتكرر في النقاش العمومي المغربي منذ سنوات: هل لا تزال الطبقة الوسطى، التي وصفها الملك محمد السادس بأنها "قوة إنتاج وعامل تماسك واستقرار"، موجودة فعلاً، أم أنها تتآكل تدريجياً تحت وطأة الغلاء وضغوط المعيشة؟ الإجابة ليست بسيطة، لأنها تتوقف أساساً على المعيار المعتمد لتعريف هذه الفئة، وهو ما يجعل النقاش حولها أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى.

ملخص سريع

  • لا يوجد تعريف موحّد للطبقة الوسطى في المغرب، والتقديرات الرسمية وغير الرسمية تتراوح بين 15% و58.7% من السكان حسب المعيار المعتمد.
  • متوسط الدخل الشهري للأسرة المغربية يبلغ حوالي 6617 درهماً وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، لكن نصف الأسر الحضرية لا يتجاوز دخلها 5609 دراهم.
  • مؤشر "جيني" لقياس التفاوت ارتفع من 38.5% سنة 2019 إلى 40.5% سنة 2022، ما يعكس تراجعاً في العدالة الاجتماعية بعد جائحة كورونا وموجة الغلاء.
  • غلاء العقار والتعليم الخاص والصحة يرفع تدريجياً "عتبة الدخول" إلى الطبقة الوسطى، حتى بالنسبة لأسر كانت تعتبر نفسها ميسورة قبل سنوات قليلة.
  • الطبقة الوسطى المغربية، أياً كان حجمها الدقيق، تتحمل العبء الأكبر من الصدمات الاقتصادية لأنها غير مؤهلة لبرامج الدعم الاجتماعي الموجهة للفقراء، وغير محصّنة بثروة الأثرياء.

لماذا يصعب تعريف الطبقة الوسطى في المغرب؟

قبل الحديث عن وجود الطبقة الوسطى من عدمه، لا بد من الإقرار بأن المغرب لا يتوفر على تعريف رسمي وحيد ومتفق عليه لهذه الفئة. فالمندوبية السامية للتخطيط اعتمدت قبل نحو عشر سنوات معياراً قائماً على "متوسط النفقات" الأسرية، وهو ما أدى إلى نتيجة لافتة مفادها أن الطبقة الوسطى تضم أكثر من نصف السكان. لكن خبراء اقتصاديين آخرين، مثل نجيب أقصبي، اعتمدوا مقاربة مختلفة تقوم على حساب التكلفة الفعلية للاحتياجات الأساسية للأسرة المغربية (الغذاء، السكن، التعليم، الصحة، التنقل)، وهي مقاربة أفضت إلى تقدير أكثر تشدداً يحصر الطبقة الوسطى في ما بين 15% و25% فقط من السكان.

هذا التباين الكبير بين النسب ليس خلافاً تقنياً بحتاً، بل يعكس خلافاً جوهرياً حول ما يعنيه فعلاً "الانتماء إلى الطبقة الوسطى": هل يكفي أن يتجاوز دخل الأسرة المتوسط الوطني، أم يجب أن يكون هذا الدخل كافياً لضمان مستوى معيشي يشمل الادخار والاستثمار في المستقبل، وليس فقط تغطية الحاجيات اليومية؟

ماذا تقول الأرقام الرسمية؟

رسم بياني بسيط يوضح تطور مؤشر التفاوت (جيني) في المغرب بين 2014 و2022
وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، يبلغ متوسط الدخل الشهري للأسرة المغربية حوالي 6617 درهماً. غير أن هذا المتوسط يخفي تفاوتات كبيرة: فنصف الأسر في الوسط الحضري لا يتجاوز دخلها الشهري 5609 دراهم، بينما لا يتعدى دخل نصف الأسر في الوسط القروي 2374 درهماً. هذا يعني أن "المتوسط" الإحصائي لا يعكس بالضرورة واقع الأسرة المغربية العادية، لأن الدخول المرتفعة جداً لفئة قليلة ترفع المعدل العام.

أما على مستوى التفاوت، فقد أظهر تقرير حديث للمندوبية أن مؤشر "جيني"، الذي يقيس درجة التفاوت في توزيع الدخل بين 0 (مساواة تامة) و1 (تفاوت أقصى)، انتقل من 38.5% سنة 2019 إلى 40.5% سنة 2022. هذا الارتفاع يعني تراجعاً ملموساً في العدالة الاجتماعية خلال فترة قصيرة، تزامنت مع جائحة كوفيد-19 وموجة التضخم العالمية التي أعقبتها. وقد سجلت المندوبية أيضاً ارتفاعاً قوياً في تفاوتات الإنفاق الغذائي تحديداً، وهو مؤشر مقلق لأنه يمس الحاجة الأساسية الأولى للأسر.

الطبقة الوسطى بين الرقم الرسمي والإحساس اليومي

إحدى أبرز التحليلات التي استندت إلى معطيات المندوبية خلصت إلى أن الطبقة الوسطى المغربية تضم نحو 19.7 مليون شخص، أي ما يعادل 58.7% من إجمالي السكان، مقابل 31.2% للفئة المتواضعة (الفقراء والفقراء نسبياً) و13% فقط للطبقة الميسورة. لكن هذا الرقم المرتفع يصطدم بواقع معيشي مغاير تماماً لما يشعر به كثير من الأسر التي تُصنَّف إحصائياً ضمن "الوسط"، لكنها بالكاد تغطي مصاريفها الشهرية دون أي هامش للادخار.

جدول أو إنفوغرافيك يقارن النسب المختلفة لتقدير حجم الطبقة الوسطى حسب المعايير المعتمدة

هذا التناقض بين الرقم والشعور اليومي يفسَّر بأن المعيار الإحصائي يقيس "متوسط الدخل أو النفقات" دون أن يأخذ بعين الاعتبار التكلفة الفعلية للعيش الكريم في المدن الكبرى، حيث ارتفعت أسعار السكن والتعليم الخصوصي والعلاج بشكل لا يتناسب مع نمو الأجور. فأسرة يبلغ دخلها الشهري 8000 أو 9000 درهم قد تُصنَّف إحصائياً ضمن الطبقة الوسطى، لكنها في مدينة كالدار البيضاء أو الرباط قد تجد صعوبة حقيقية في تغطية إيجار أو قسط سكني، ومصاريف مدرسية، وتنقل، دون أي قدرة على الادخار.

المعيار المصدر نسبة الطبقة الوسطى المقدّرة
متوسط النفقات الأسرية المندوبية السامية للتخطيط (تقدير سابق) حوالي 54% من السكان
تجاوز عتبة الفقر والهشاشة تحليل مستند لبيانات المندوبية 58.7% من السكان
القدرة على تغطية الحاجيات الأساسية كاملة تقدير اقتصادي (نجيب أقصبي) بين 15% و25% من السكان
القدرة على تحمل قروض سكن وسيارة وتمدرس خاص تقدير قطاع العقار حوالي 10% من السكان

لماذا تشعر الطبقة الوسطى بأنها "تتآكل"؟

حتى مع وجود تباين في النسب، يكاد يجمع معظم المتابعين للشأن الاقتصادي المغربي على أن وضعية الطبقة الوسطى تراجعت خلال السنوات الأخيرة، لأسباب يمكن تلخيصها في ثلاثة عوامل رئيسية:

1. الصدمات الاقتصادية المتتالية

تعرضت الأسر متوسطة الدخل لسلسلة من الصدمات خلال فترة قصيرة نسبياً: تداعيات جائحة كورونا على الدخل والتشغيل، ثم موجة غلاء مرتبطة بتقلب أسعار المواد الغذائية والطاقة على المستوى العالمي، إضافة إلى عوامل داخلية مرتبطة ببنية سوق الشغل وارتفاع كلفة العيش في المدن.

2. ارتفاع عتبة "العيش الكريم"

أصبح الدخول إلى الطبقة الوسطى بمفهومها الحقيقي (القدرة على السكن اللائق، التعليم الجيد، الصحة، والادخار) يتطلب دخلاً أعلى بكثير مما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن، بسبب ارتفاع أسعار العقار خصوصاً في المدن الكبرى، وتوسع اللجوء إلى التعليم والصحة الخاصين نتيجة ضعف جودة الخدمات العمومية في بعض المناطق.

3. غياب الحماية المزدوجة

على عكس الفئات الفقيرة التي تستفيد من برامج الدعم الاجتماعي الموجهة، وعلى عكس الفئات الميسورة التي تملك احتياطات مالية وأصولاً تحميها من الصدمات، تجد الطبقة الوسطى نفسها غير مشمولة عملياً بأغلب برامج الدعم المباشر، بينما تتحمل في المقابل العبء الضريبي الأكبر باعتبار أن دخلها يأتي غالباً من الأجور المصرَّح بها، وهو ما يجعلها الحلقة الأكثر هشاشة عند أي أزمة.

تحليل: من يدفع فعلياً ثمن الأزمات الاقتصادية في المغرب؟

هذه النقطة غالباً ما تغيب عن النقاش العمومي المتداول حول الطبقة الوسطى: المشكلة ليست فقط في "اختفاء" هذه الفئة عددياً، بل في كونها تتحمل بشكل غير متناسب كلفة التكيف مع الأزمات الاقتصادية. فحين ترتفع الأسعار، تتدخل الدولة عبر برامج دعم موجهة للفئات الأكثر هشاشة، وهو أمر مبرر اجتماعياً. لكن الأسرة التي يبلغ دخلها مثلاً 7000 أو 10000 درهم، والتي لا تستفيد من هذا الدعم لأنها "غير فقيرة" رسمياً، تجد نفسها وحيدة في مواجهة الغلاء، دون أي آلية حماية موازية.

من زاوية أخرى، فإن اقتصاد الريع والاقتصاد غير المهيكل في المغرب يجعلان جزءاً من الفئات الأكثر يسراً قادراً على تفادي الضرائب أو تقليصها، في حين تتحمل الفئة المأجورة، التي تشكل غالبية الطبقة الوسطى، العبء الضريبي بشكل مباشر وكامل من المنبع. هذا الاختلال البنيوي يفسر جزئياً لماذا تشعر الطبقة الوسطى المغربية بأنها "تدفع أكثر مما تستفيد"، حتى في فترات النمو الاقتصادي.

على المستوى السياسي، يحمل هذا الوضع دلالة مهمة: فالطبقة الوسطى تاريخياً هي حاملة مشاريع الإصلاح التدريجي والمطالبة بالشفافية، وهي عامل استقرار اجتماعي. لكن حين تشعر هذه الفئة بأن قواعد اللعبة لم تعد منصفة، وأن فرص الترقي الاجتماعي تضيق، فإن ذلك قد يحوّلها تدريجياً من ضامن للاستقرار إلى مصدر احتقان اجتماعي، وهو ما يجعل ملف الطبقة الوسطى أكثر من مجرد سؤال إحصائي.

ماذا يمكن أن يُعيد التوازن للطبقة الوسطى؟

تشير أغلب التحليلات الاقتصادية المتعلقة بهذا الملف إلى عدة مداخل ممكنة لتخفيف الضغط عن الطبقة الوسطى المغربية، من أبرزها:

  • مراجعة النظام الضريبي بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعبء الضريبي بين مختلف الفئات والقطاعات.
  • تحسين جودة الخدمات العمومية في التعليم والصحة، لتقليل اضطرار الأسر إلى اللجوء المكلف للقطاع الخاص.
  • تطوير عروض سكنية حقيقية تستجيب لقدرة الأسر متوسطة الدخل، بدل التركيز على مشاريع عقارية موجهة للفئات الميسورة.
  • التحكم في التضخم ومراقبة أسعار المواد الأساسية، خصوصاً المواد الغذائية التي تمثل الجزء الأكبر من ميزانية الأسرة المغربية.
  • دعم القطاعات المنتجة لفرص شغل بدخل مستقر، كالصناعة والخدمات الرقمية، لتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى بدل تقليصها.

خلاصة

السؤال "هل ما زالت الطبقة الوسطى موجودة في المغرب؟" لا يقبل إجابة بـ"نعم" أو "لا" مطلقة، لأن الجواب يتغير جذرياً حسب المعيار المعتمد. فإحصائياً، لا تزال هذه الفئة تضم نسبة معتبرة من السكان وفق المعايير الرسمية. لكن من حيث القدرة الفعلية على العيش الكريم والادخار والترقي الاجتماعي، يبدو أن "جوهر" الطبقة الوسطى يتقلص فعلاً، حتى وإن ظل حجمها العددي ثابتاً أو متزايداً على الورق. ما يبدو مؤكداً هو أن هذه الفئة تستحق اهتماماً سياسياً واقتصادياً موازياً لما توليه الدولة للفئات الفقيرة، باعتبارها العمود الفقري لاستقرار المجتمع المغربي على المدى الطويل.

الأسئلة الشائعة

كم يبلغ الدخل الذي يُصنَّف صاحبه ضمن الطبقة الوسطى في المغرب؟

لا يوجد رقم رسمي وحيد متفق عليه. فبعض التقديرات تعتبر أي دخل أسري يفوق المتوسط الوطني، حوالي 6617 درهماً شهرياً، كافياً للانتماء إلى هذه الفئة، بينما تقديرات أخرى أكثر تشدداً، تأخذ بعين الاعتبار تكلفة السكن والتعليم والصحة والتنقل، تشترط دخلاً يتراوح بين 10000 و40000 درهم شهرياً لضمان مستوى معيشي يوصف فعلياً بـ"الوسطى" في المدن الكبرى.

لماذا تختلف نسب الطبقة الوسطى بشكل كبير بين 15% و58.7%؟

الاختلاف ناتج عن اختلاف المعيار المعتمد. المعايير المبنية على "متوسط الدخل أو النفقات" تعطي نسباً مرتفعة لأنها تقيس فقط الموقع النسبي للأسرة مقارنة بباقي السكان. أما المعايير المبنية على "القدرة الفعلية على تغطية الحاجيات الأساسية وتحقيق ادخار" فتعطي نسباً أقل بكثير، لأنها تأخذ بعين الاعتبار التكلفة الحقيقية للعيش.

ما العوامل التي ساهمت في تراجع وضعية الطبقة الوسطى في السنوات الأخيرة؟

أبرز العوامل هي تداعيات جائحة كورونا على الدخل والتشغيل، موجة الغلاء العالمية التي تلتها وأثرت بشكل خاص على أسعار الغذاء والطاقة، إضافة إلى ارتفاع كلفة العقار والتعليم والصحة الخاصين في المدن الكبرى، دون أن يواكب ذلك نمو مماثل في الأجور.

هل تستفيد الطبقة الوسطى من برامج الدعم الاجتماعي في المغرب؟

غالباً لا تستفيد بشكل مباشر، لأن أغلب برامج الدعم الاجتماعي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة وفقراً وفق معايير محددة للأهلية. هذا يجعل الأسر متوسطة الدخل، التي لا تُصنَّف فقيرة رسمياً لكنها تعاني من ضغط معيشي حقيقي، خارج دائرة الاستفادة من هذه البرامج رغم تأثرها بنفس الصدمات الاقتصادية.

هل ارتفع التفاوت الاجتماعي في المغرب فعلاً خلال السنوات الأخيرة؟

نعم، وفق بيانات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ارتفع مؤشر "جيني" لقياس التفاوت في توزيع الدخل من 38.5% سنة 2019 إلى 40.5% سنة 2022، وهو ارتفاع يعكس تراجعاً في العدالة الاجتماعية بعد فترة من التحسن التدريجي استمرت حتى 2019.

المصادر

  • المندوبية السامية للتخطيط HCP: بيانات وتقارير رسمية حول المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب.
  • هسبريس: مقال حول تصريحات المندوبية السامية للتخطيط بشأن أثر السياسات الاجتماعية على الفئات الفقيرة.
  • مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد: تحليلات ودراسات اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالطبقة الوسطى والسياسات العمومية.
  • جريدة الاتحاد: مقال حول حضور الطبقة الوسطى في النقاش الاجتماعي، مع الإشارة إلى بيانات المندوبية السامية للتخطيط.
  • مشاهد أنفو: تصريحات وتحليلات للخبير الاقتصادي نجيب أقصبي حول معايير تعريف الطبقة المتوسطة.
ياسين المغربي
ياسين المغربي
كاتب محتوى مغربي متخصص في المقالات التحليلية حول التاريخ والثقافة والمجتمع المغربي، بأسلوب حديث يعتمد على العمق والمصادر الموثوقة، يسعى لتقديم صورة معاصرة وشاملة عن المغرب وهويته المتنوعة. إذا كان لديك استفسار، أو بلاغ عن خطأ، أو اقتراح، أو طلب تعاون، فنحن هنا لخدمتك: اتصل بنا
تعليقات